محمد الغزالي

380

فقه السيرة ( الغزالي )

فيقول : ما لي ولمزينة ؟ ! . . . حتى نفذت القبائل ، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته قال : ما لي ولبني فلان ؟ . حتى مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كتيبته الخضراء ، وفيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان اللّه ! يا عباس ! من هؤلاء ؟ . قلت : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ! واللّه با أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! ! . قال العباس : يا أبا سفيان ، إنّها النبوة . قال : فنعم إذن « 1 » . [ دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام ] : ودخل أبو سفيان مكة مبهورا مذعورا ، وهو يحسّ أنّ من ورائه إعصارا ، إذا انطلق اجتاح ما أمامه ، فما يقف دونه شيء ، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيد رويدا رويدا ، فاجتمعوا على سادتهم ، ينتظرون الأوامر بالقتال ، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عاليا واضحا : يا معشر قريش ! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن ، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام ، فوثبت إليه ، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمش - أي هذا الزقّ المنتفخ - قبّحت من طليعة قوم . ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره : ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم ، فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به . فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن . قالوا : قاتلك اللّه ؟ وما تغني عنّا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو امن ، ومن دخل المسجد فهو امن ، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد . وأصبحت ( أم القرى ) وقد قيّد الرعب حركاتها ، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها ، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة ، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه ابن هشام : 2 / 268 - 269 ، عن ابن إسحاق بدون إسناد . لكن رواه عنه ابن جرير والطبراني موصولا عن ابن عباس كما تقدم انفا . وبعضه في صحيح البخاري : 8 / 4 - 6 ؛ وابن جرير : 2 / 332 - 333 ، عن عروة مرسلا فهو شاهد قوي .